فنون جميلة

يُنظر إلى الفنون الجميلة في التقاليد الأكاديمية الأوروبية، أنها تُنتج أساسًا من أجل الجماليات أو للتعبير الإبداعي، وهو ما يميزها عن الفنون الشعبية أو الزخرفية أو التطبيقية التي تؤدي وظيفة عملية معينة -مثل صناعة الفخار أو معظم الأعمال المعدنية- أو تكون ذات جودة فنية محدودة بغرض جذب الجماهير. في النظريات الجمالية التي تطورت خلال عصر النهضة الإيطالية، عُدّت أرقى الفنون تلك التي تتيح التعبير الكامل عن خيال الفنان،[1] دون التقيّد بالاعتبارات العملية المرتبطة مثلًا بصناعة إبريق الشاي وزخرفته. نُظر أيضًا إلى جانب مهم، يتمثل في ألا يتطلب إنتاج العمل الفني تقسيمه بين أفراد متعددين ذوي مهارات متخصصة، كما قد يحدث في صناعة قطعة أثاث مثلًا.[1] حتى ضمن الفنون الجميلة ذاتها، وُجدت هرمية للأنواع الفنية وفقًا لمقدار الخيال الإبداعي المطلوب، إذ وُضع فن الرسم القصصي في مرتبة أعلى من فن الطبيعة الصامتة.
تاريخيًا، اشتملت الفنون الجميلة الرئيسة على خمسة فنون: الرسم، النحت، العمارة، الموسيقا، والشعر. وأُدرجت كذلك بعض «الفنون الثانوية أو الفرعية»، خاصةً الفنون الأدائية مثل المسرح والرقص، والتي عُدّت «من أقدم الفنون وأشملها».[1] في الممارسة العملية خارج نطاق التعليم الرسمي، يُطبَّق المفهوم عادةً على الفنون المرئية فحسب. وقد ضُمّت الطباعة والرسم اليدوي ضمن أشكال مرتبطة بالرسم، تمامًا مثل أشكال النثر في الأدب، التي تُعد مرتبطة بالشعر. أما اليوم، فإن نطاق ما يعد فنونًا جميلة -بقدر بقاء المصطلح مستخدمًا- يشمل أشكالًا حديثة إضافية مثل: السينما والتصوير الضوئي وإنتاج/تحرير الفيديو، إلى جانب الأشكال التقليدية التي تُصنع في بيئة الفنون الجميلة، مثل الفخار الفني والزجاج الفني، وما يعادلها من مواد أخرى.
من تعريفات الفنون الجميلة هي أنها «فن بصري يُنظر إليه أنه أُنشئ أساسًا لأغراض جمالية وفكرية، ويُقيَّم من حيث جماله ومعناه، ويشمل الرسم والنحت والرسم التخطيطي والألوان المائية والرسوم الغرافيكية، والعمارة».[1] بهذا المعنى، فإنه ثمة اختلافات مفاهيمية بين الفنون الجميلة والفنون الزخرفية أو التطبيقية –وهما مصطلحان يشملان إلى حد بعيد الوسائط ذاتها. أما بالنسبة لمتلقّي الفن، فإن إدراك الخصائص الجمالية يتطلب حكمًا رفيعًا يُشار إليه عادةً بامتلاك «ذائقة فنية»، وهو ما يميز الفنون الجميلة عن الفنون الشعبية والترفيهية.[2]
لا تشير كلمة «جميلة» كثيرًا إلى جودة العمل الفني ذاته، بقدر ما تدل على نقاء التخصص وفقًا للمعايير الأوروبية التقليدية.[1] باستثناء حالة العمارة، إذ كان يُقبل وجود منفعة عملية، فإن هذا التعريف استبعد في الأصل الفنون التطبيقية أو الزخرفية «النفعية»، وكذلك المنتجات التي كانت تُعد من الصناعات اليدوية. أمّا في الممارسة المعاصرة، فقد باتت هذه التمييزات والقيود بلا معنى تقريبًا، إذ أُعطي المفهوم أو قصد الفنان الأولوية، بصرف النظر عن الوسيلة التي يُعبَّر من خلالها.[1]
يُستخدم مصطلح «الفنون الجميلة» عادةً للإشارة إلى الفن الغربي ابتداءً من عصر النهضة، مع أن تمييز الأنواع الفنية المماثل قد ينطبق أيضًا على فنون ثقافات أخرى، خاصةً في شرق آسيا. تُسمى مجموعة «الفنون الجميلة» أحيانًا «الفنون الكبرى»، في حين تُعادل «الفنون الصغرى» الفنون الزخرفية. كان هذا التصنيف يُطبَّق عادةً على الفنون في العصور الوسطى والقديمة.
الأصول، التاريخ والتطور
[عدل]وفقًا لبعض الكُتّاب، فإن مفهوم الفنون الجميلة بوصفها فئة مميزة بحد ذاتها، هو ابتكار يعود إلى الحقبة الحديثة المبكرة في الغرب. ويوضح لاري شينر في كتابه اختراع الفن: تاريخٌ ثقافي (2003) أن هذا الابتكار ظهر في القرن الثامن عشر، حيث كان ثمة قبل ذلك «نظام تقليدي للفنون» في الغرب -ولا تزال بعض الثقافات التقليدية الأخرى تحتفظ بنظام مشابه. في ذلك النظام، كان الفنان أو الحرفيّ يُعد صانعًا ماهرًا أو ممارسًا، وكان العمل الفني يُعد نتاجًا نافعًا لعمل متقن، إضافةً إلى أن تقدير الفنون كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بدورها في الحياة اليومية. بمعنى آخر، كان مصطلح «فن» يعني تقريبًا ما تعنيه الكلمة اليونانية (techne)، أو كلمة «مهارة» في اللغة الإنجليزية، وهو المعنى الذي بقي حاضرًا في عبارات مثل «فن الحرب»، «فن الحب»، و«فن الطب».[1] وقد عبّر كل من بول أوسكار كريستيلر، وبيير بورديو، وتيري إيغلتون -في كتابه أيديولوجيا الجماليات- عن أفكار مشابهة، رغم أن بعضهم يُرجع نقطة الابتكار إلى فترة أسبق، أي عصر النهضة الإيطالية. إذ يشير أنتوني بلانت إلى أن مصطلح arti di disegno، أو فن الرسم، وهو مفهوم مشابه، ظهر في إيطاليا منتصف القرن السادس عشر.[1]
يمكن القول إن العالم الكلاسيكي القديم، رغم أن قليل من الكتابات النظرية عن الفن قد وصلنا منه، كان يميز عمليًا بين الفنون على نحو مشابه. فالأسماء التي حفظتها المصادر الأدبية هي أسماء رسامين ونحاتين يونانيين، وإلى حد أقل نقّاشي الأحجار الكريمة. وقد كان عدد من هؤلاء الأفراد مشهورين للغاية، وظلّت أعمالهم تُقلَّد وتُذكر لقرون بعد وفاتهم. إن فكرة «عبقرية الفنان الفرد» التي شكّلت جزءًا مهمًا من الأساس النظري لعصر النهضة في التمييز بين «الفن الجميل» وغيره من الفنون، استندت إلى سوابق كلاسيكية، كتلك التي وثقها بلينيوس الأكبر. إضافةً إلى أن بعض أنواع الأعمال الأخرى، مثل الفخار الإغريقي القديم، غالبًا ما كانت تحمل توقيع صانعها أو صاحب الورشة، ربما بغرض الترويج لمنتجاتهم.
يُرجع جورج كوبلر وآخرون، بداية تراجع مفهوم «الفنون الجميلة» إلى نحو العام 1880، حين بدأ هذا التصنيف يفقد مكانته. ومع حلول العام 1900 تقريبًا، صار يُنظر إلى الفن الشعبي أيضًا أنه ذو أهمية. وأخيرًا، على الأقل في الأوساط المهتمة بفلسفة الفن، خرج مصطلح «الفنون الجميلة» من الاستخدام مع حلول العام 1920 على يد دعاة التصميم الصناعي الذين عارضوا وجود معيار مزدوج للحكم على الأعمال الفنية مقابل الأشياء النافعة. كان هذا التحول في الأساس بين المنظّرين، بينما استغرق الأمر وقتًا أطول حتى يلحق به سوق الفن والرأي العام. ومع ذلك، فإن حركة الأسعار في سوق الفن خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين اتخذت اتجاهًا معاكسًا، إذ تقدمت أعمال الفنون الجميلة كثيرًا على أعمال الفنون الزخرفية من حيث القيمة السوقية.[1]
في سوق الفن، لا يزال مصطلح «الفنون الجميلة» يُستخدم إلى حد ما للإشارة إلى الأعمال التي تعود إلى ما قبل نحو العام 1900، وقد يُستعمل لتحديد نطاق المزادات أو أقسام دور المزادات وما شابه ذلك. ويبقى المصطلح كذلك حاضرًا في التعليم العالي، حيث يظهر في أسماء الكليات والكليات المتخصصة والدورات الدراسية. وفي العالم الناطق بالإنجليزية، يُستخدم هذا المصطلح على نحو رئيس في أمريكا الشمالية، لكن ينطبق الأمر ذاته على المصطلحات المكافئة في اللغات الأوروبية الأخرى، مثل beaux-arts بالفرنسية أو bellas artes بالإسبانية.[3]
منظورات ثقافية
[عدل]لم يكن الفصل المفاهيمي بين الفنون والفنون الزخرفية أو الحرف الذي هيمن غالبًا في أوروبا والولايات المتحدة، حاضرًا بذات الزخم في جميع الثقافات الأخرى. ومع ذلك، فقد عرفت الفنون التقليدية الصينية تمييزًا مشابهًا، إذ فرّقت بين فنون الرسم الأدبي الذي كان يغلب عليه تصوير المناظر الطبيعية ويمارسه علماء النخبة، وبين أعمال الحرفيين في مدارس الرسم والنحت التابعة للبلاط. مع أن مكانة عالية أُعطيت لأشياء تعد في الغرب مجرد منتجات حرفية، مثل السيراميك ونقش الحجر الصلب والنسيج والتطريز، فإن هذه المكانة لم تمتد إلى صانعيها الذين ظلوا غالبًا أكثر مجهولية حتى من نظرائهم في الغرب. وقد وُجدت تمييزات مشابهة في الفن الياباني والكوري. أما في الفن الإسلامي، فقد مُنحت المكانة الأعلى عادةً لفن الخط وللمهندسين المعماريين ولرسامي المنمنمات الفارسية والتقاليد المرتبطة بها، لكن هؤلاء ظلوا في الغالب موظفين في البلاط. وغالبًا ما كانوا أيضًا يقدّمون التصاميم لأفضل السجاد الفارسي وزخارف العمارة ووسائط زخرفية أخرى، على نحوٍ أكثر انتظامًا مما كان يحدث في الغرب.
كان الفن في أمريكا اللاتينية خاضعًا لهيمنة الاستعمار الأوروبي حتى القرن العشرين، حين بدأ الفن المحلي يعيد تأكيد حضوره مستلهمًا من الحركة البنيوية التي أعادت وصل الفنون بالحرف على أساس المبادئ الاشتراكية. أما في إفريقيا، فإن فن اليوروبا غالبًا ما يؤدي وظيفة سياسية وروحية. وكما هو الحال في الفن الصيني، فإن فن اليوروبا يتكوّن في كثير من الأحيان ما يعد في الغرب إنتاجًا حرفيًا. وتندرج أبرز تجلياته التي تحظى بالإعجاب، مثل المنسوجات، ضمن هذه الفئة.
تصنيف
[عدل]انظر أيضا
[عدل]مراجع
[عدل]- ^ ا ب ج د ه و ز ح ط "Fine Art: Definition, Meaning, History". www.visual-arts-cork.com. مؤرشف من الأصل في 2025-06-03. اطلع عليه بتاريخ 2023-06-08.
- ^ "Aesthetic Judgment". The Stanford Encyclopedia of Philosophy. 22 يوليو 2010.
- ^ Guerzoni، G. (2011). Apollo and Vulcan: The Art Markets in Italy, 1400–1700. Michigan State University Press. ص. 27. ISBN:978-1-60917-361-6. مؤرشف من الأصل في 2025-11-18. اطلع عليه بتاريخ 2020-07-04.
Observing these tensions, George Kubler was led to affirm in 1961: "The seventeenth-century academic separation between fine and useful arts first fell out of fashion nearly a century ago. From about 1880 the conception of 'fine art' was ..."